ابن حمدون
302
التذكرة الحمدونية
لئلَّا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحة النظر فيه ، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض ، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون وتعقّبوه بالاعتراض والتأويل والتهجين ، وكدّروه وأفسدوه ، وشبّهوا الباطل بالحقّ ليصيّروا حقّه باطلا . وفي اجتماعهم أيضا على المشورة تعريض السرّ للإذاعة [ 1 ] والإشاعة ، فإن كان ذلك لم يستطع الملك المقابلة على كشف سرّه لأنه لا يعلم أيّهم جنى فيه ، فإن عاقب الكلّ عاقب بريئا بذنب مجرم ، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له . 902 - وقالت الفرس : إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي تحتاج إلى القوة ، أو ما يخشى فيه الخيانة ، فأما الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها ، ويولَّد فيها التضاغن والتنافس ، وربما انقبض أحدهم عن تقسيم الآراء وذكر ما يعترض فيها لما يتخوّفه من منافسة ومشاحنة . وإنما يكون الرأي في الجفلى إذا خلصت النيّات وصفت ، فحينئذ تقع المجاراة فيه والتعارض حتى يصفو ويخلص ويتّضح ولا يبقى فيه مراء ولا شكّ ، وذلك في الأمر الذي يعمّ ضرره ونفعه للجماعة مثل القبيلة أو العصبة إذا حزبهم أمر يخافون من تضييع الحزم فيه بآفة [ 2 ] تعمّهم ، فإنهم حينئذ يدعون التحاسد والتنافس ، ويقبلون الصواب ممّن جاء به منهم لأنّ صلاح ذلك يعمّهم والخطأ فيه يشملهم . « 903 » - وقال ابن المقفع : اعلم أنّ المستشار ليس بكفيل ، وأنّ الرأي ليس بمضمون ، بل الرأي كلَّه غرر لأنّ أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة ، وليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلَّا وقد يدركه العاجز ؛ بل ربما أعيا الحزمة وأمكن
--> « 903 » بعضه في المستطرف 1 : 74 وقارن بالشهب اللامعة : 163 .